مصطفى صادق الرافعي
203
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وعلى هذه الجهة ، لا على غيرها ، يحمل قوله صلّى اللّه عليه وسلم لأبي بكر حين قال له رضي اللّه عنه ، لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك فمن أدّبك ( أي علمك ) ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « أدّبني ربي فأحسن تأديبي » وقوله مثل ذلك لعليّ أيضا ، كما سيأتي في موضعه ثم قوله : « أنا أفصح العرب » وما كان من هذا المعنى ؛ لأنه يستحيل أن يكون مع أحد من ذلك الذي بيناه ما خصّ اللّه به نبيه عليه الصلاة والسلام ؛ إذ الاستحالة راجعة إلى الطبع والجبلة وخلق الفطرة ، مما لا يتغير في الناس إلا أن يخرق اللّه به العادة على وجه المعجزة ليقضي أمرا من أمره ، وأنّى لامرئ بذلك من العرب غير النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؟ . وهذا الذي أشرنا إليه آنفا ، إنما هو الأصل في أن الكلام النبوي جامع مجتمع ، لا يذهب في الأعمّ الأغلب إلى الإطالة بل كالتمثال : يأتي مقدّرا في مادته ومعانيه وأسلوب الجمع بينها وربط الصورة بالمعنى كما ستأتي عليه بعد . وأما الآن فإنا نقول قول أديبنا الجاحظ رحمه اللّه ، فإنه بعد أن وصف هذا الكلام السري بما نقلناه عنه في موضعه خشي أن يظن بعض الناس أنه أفرط على ذلك الوصف ، وبالغ في الحمل عليه مما حمل ، فقال : ولعلّ من لم يتسع في العلم ، ولم يعرف مقادير الكلام ، يظن أننا تكلفنا له من الامتداح والتشريف ، ومن التزيين والتجويد ، ما ليس عنده ولا يبلغه قدره . « وكلا . والذي حرم التزيّد عند العلماء . وقبح التكلف عند الحكماء . وبهرج الكذابين عند الفقهاء - لا يظن هذا إلّا من ضل سعيه » . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . أحكام منطقه صلّى اللّه عليه وسلم قد رأيت فيما مر من صفته عليه الصلاة والسلام أنه ضليع الفم ، يفتح الكلام ويختمه بأشداقه ، وعلمت من معنى ذلك أنه كان يستعمل جميع فمه إذا تكلم ، لا يقتصر على تحريك الشفتين فحسب . ولقد كانت العرب تتمادح بسعة الفم وتذم بصغره ، لأن السعة أدلّ على امتلاء الكلام ، وتحقيق الحروف وجهارة الأداء وإشباع ذلك في الجملة ، ولأن طبيعة لغتهم ومخارج حروفها تقتضي هذا كله ولا تحسن في النطق إلا به ، ولا تبلغ تمامها إلا أن يبلغ فيها ، وهو بعد مزيتها الظاهرة في أفصح أساليبها ، إذ كانت الفصاحة راحة إلى حسن الملاءمة بين الحروف باعتبار أصواتها ومخارجها ، حتى تستوي في تأليفها على مذاهب الإيقاع اللغوي ، كما بسطناه في كل موضع اقتضاه من هذا الكتاب . وذلك أمر لم يكن علم أولئك القوم به على الهاجس والظن . أو المقاربة والتقدير